جلسة حوارية لمعالي رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس
بورغه برنده: معالي رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، تمثّل مناقشتنا معكم حول حالة العالم والشرق الأوسط إحدى أبرز محطات اجتماعنا السنوي. فهل يمكن القول إن وضع العالم هذا العام أفضل مما كان عليه العام الماضي؟ أم أنه أسوأ من العام الماضي وأفضل من العام المقبل؟
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: ربما لو صغتُ الأمر بطريقة أدق لقلت إن المشهد أصبح أكثر تعقيدًا. أعتقد أن العالم بأسره يمرّ حاليًا بلحظة مفصلية، وقد شهدنا تسارعًا غير مسبوق في وتيرة التغيرات التي نمرّ بها. نحن أمام مرحلة تستدعي قدرًا أكبر من ضبط النفس والتفكير المتأني في ما يجري، ومحاولة إيجاد السبل الكفيلة بالتعامل مع هذا الاضطراب بما يجعلنا أكثر قوة ومرونة وحكمة في معالجة مشكلاتنا وصراعاتنا.
إذا نظرنا إلى الكيفية التي كان يعمل بها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، فقد كان هناك نظام دولي ومنظومة استمرت لعقود. إلا أنه خلال العقدين الماضيين طرأت تغييرات جذرية على هذا النظام العالمي عبر أحداث ومحطات عديدة، بحيث لم تعد آليات الضوابط والتوازنات التي اعتدنا عليها قائمة كما في السابق. هذه التحولات كانت تتراكم على مدى السنوات، لكننا لم نكن نلحظها بوضوح بسبب الفواصل الزمنية بينها وبطء وتيرتها نسبيًا. أما في العامين الأخيرين، ولا سيما هذا العام، فقد شهدنا تسارعًا لافتًا في هذه المتغيرات، الأمر الذي جعل الجميع يدرك أن ثمة تحولًا عميقًا يجري. إن هذا النظام بات بحاجة ماسة إلى إصلاحات واسعة لم نلتفت إليها كما ينبغي خلال العقدين الماضيين.
بورغه برنده: إذا نظرنا إلى الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، فقد كدنا نشهد حربًا شاملة مع إيران لكنها لم تتصاعد. وهناك رئيس جديد في سوريا، وحكومة جديدة في لبنان، وتحدٍّ لا يزال عالقًا في اليمن، إضافة إلى الوضع في غزة. ما الذي يشكّل برأيكم مصدر القلق الأكبر في الشرق الأوسط خلال العام المقبل؟ وأين ترون مساحة أكبر للتفاؤل؟ مع استثناء الاقتصاد في قطر بالطبع، إذ إنه يسير بصورة جيدة للغاية، وسنعود للحديث عن ذلك لاحقًا.
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: شكرًا جزيلًا. في الواقع، شهد العام الماضي العديد من التطورات الإيجابية التي كانت أكثر فائدة لمنطقتنا مما كانت سلبياتها. ولا يمكن إنكار أنه، كما ذكرتم، لدينا رئيس في سوريا، وحكومة جديدة في لبنان. ويمكن القول إن الحرب في غزة توقفت تقريبًا، إلا أنه، وللأسف، لا يزال هناك سقوط ضحايا، رغم أن الوضع أصبح أفضل مما كان عليه سابقًا.
لكن هذا لا يعني أن الأوضاع مستقرة بالفعل في المنطقة أو تتجه نحو الاستقرار. فما زال هناك قدر كبير من الغموض بشأن ما يجري. وما يثير قلقي حقًا هو التوتر المتزايد في المنطقة، سواء فيما يتعلق بملف حرب غزة أو ما يحدث مع إيران، أو أي جبهات أخرى في المنطقة قد تنفجر في أي لحظة إذا لم نتعامل معها بحكمة ونتفكر جيدًا في كيفية إعادة هيكلة منظومتنا الأمنية الإقليمية وقيام دول الإقليم بالعمل معًا لإعادة بناء الثقة بين الدول.
كل دولة في منطقتنا بحاجة لحماية نفسها، ولها الحق في ذلك، لأن هذا الشعور بالتهديد لا ينشأ إلا إذا شعرت الدولة بخطر محدق يثير شعورًا بعدم الأمان. وأعتقد أنه علينا معالجة هذه الأسباب الجذرية. وقد حان الوقت لتتكاتف دول الإقليم معًا للتفكير في كيفية إعادة تشكيل منظومتنا الأمنية، على الأقل لضمان أننا لا نشكل تهديدًا لبعضنا البعض.
بورغه برنده: نعلم أن الرئيس ترامب سيطلق يوم الخميس "مجلس السلام"، وهو المرحلة الثانية من جهود استقرار الأوضاع في غزة. ما رأيكم في ذلك؟
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: حسنًا، الاتفاق على وقف إطلاق النار بحد ذاته كان انجازاً مهمًا حققناه، بالطبع…
بورغه برنده: تهاني لقطر تحت قيادتكم، ولمصر والولايات المتحدة.
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: شكرًا جزيلًا. فيما يتعلق بذلك، أعتقد أن ما مررنا به علّمنا العديد من الدروس المهمة. وأرى أن "مجلس السلام" يقدّم مسارًا للعمل، وقد اقترح الرئيس ترامب هذا المسار للمضي قدمًا. الآن، إن تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق لا يعني أن الاتفاق قد اكتمل، فهناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به في الوقت الراهن. وأعتقد أن جميع الدول المشاركة في مجلس السلام بحاجة للعمل الجاد لضمان أن يعمل المجلس بطريقة تخدم أهدافه ويصبح عاملًا موازنًا ومستقرًا في المنطقة.
بورغه برنده: وهل تشارك قطر في هذا المجلس؟
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: نعم، لقد دُعينا للمشاركة في هذا المجلس، ونحن بالطبع سعداء بالمساهمة في جهود السلام والاستقرار في منطقتنا. هناك العديد من التحديات في عملية التنفيذ، لكن لا توجد مسارات بديلة يمكن اتباعها في الوقت الحالي. وأرى أن الأهم الآن هو ضمان استقرار الأوضاع في غزة، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية في أسرع وقت ممكن، وتمكين السكان من العودة إلى حياتهم الطبيعية في أقرب وقت. ويجب أن يكون هذا هو محور التركيز الأساسي لمجلس السلام.
بورغه برنده: لقد قرأت أن نصف غزة لا يزال تحت سيطرة الإسرائيليين والنصف الآخر تحت سيطرة حماس. هل هذا تقييم دقيق؟
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: في الواقع، أعتقد أن أكثر من نصف غزة لا يزال تحت سيطرة القوات الإسرائيلية. فقد تم الاتفاق في السابق على ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" كمرحلة أولى للانسحاب، إلا أن هذا الخط لم يُحترم كما كان محددًا على الخريطة. ويُقدر حاليًا أن أكثر من 50٪ من الأراضي تُعتبر ضمن نطاق القوات الإسرائيلية، وما يزيد عن ذلك يخلق نقاط توتر متكررة تؤدي من وقت لآخر إلى إطلاق نار وسقوط ضحايا. وبشكل أساسي، فإن هذه الأحداث اليومية وما يتخللها من عمليات القتل تشير إلى أن وقف إطلاق النار غير كامل، وأن الأوضاع لم تعد هادئة تمامًا. لا تزال هذه التحديات قائمة، ومن الضروري ضمان تراجع القوات الإسرائيلية والتزامها بالانسحاب لخفض حدة التوتر.
بورغه برنده: الوضع الإنساني، هل تحسّن أم بقي على حاله؟
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: إذا قارناه بالعام الماضي، فقد يكون هناك بعض التحسن، لكنه لا يزال يحتاج إلى تدخل واسع. لا تزال العديد من المساعدات الإنسانية غير مسموح بدخولها بسبب قيود المواد ذات الاستخدام المزدوج وغيرها من العوائق. ومن الضروري ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان دون قيود. كما لا تزال الملاجئ ناقصة، وهناك احتياجات كبيرة في هذا المجال. ومع ذلك، نحن نعمل بشكل وثيق جدًا مع زملائنا في الولايات المتحدة ومصر وتركيا لضمان وجود آلية تدعم الحكومة التكنوقراطية التي تم تشكيلها مؤخرًا في غزة، بما يمكنها من مساعدة السكان وتوفير حياة أفضل لهم.
بورغه برنده: لننتقل قليلاً شرقًا، ما هو السيناريو الأكثر ترجيحًا بالنسبة لإيران خلال العام المقبل برأيكم؟
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: لا يمكنني التنبؤ بالسيناريوهات بالنسبة للدول، لكن ما ذكرته لكم للتو مهم جدًا. تمرّ المنطقة حاليًا بتوترات كبيرة، وبالطبع لا يمكن استبعاد ما يجري في إيران وما يتعلق بها من هذه التوترات الإقليمية. وأعتقد أنه في ظل كل هذه الاضطرابات، نحن بحاجة إلى ضبط النفس واللجوء إلى الحكمة. هناك العديد من السبل لإيجاد حلول تعالج المشكلات وتوفر ضمانات أمنية تكفل لنا وللشعب الإيراني مستقبلًا مزدهرًا، وهذا هو الهدف الذي نسعى إليه.
نحن دائمًا نؤمن بوجود مجال للدبلوماسية، وقد كان ذلك نهج دولة قطر الثابت، وسنواصل دائمًا الدعوة إلى التسوية السلمية. ومن الضروري أن نفهم أن أي تصعيد ستكون له تبعات، فقد جُرّب هذا المسار في العراق قبل عشرين عامًا ولم ينجح، ولا تزال العراق والمنطقة تتحملان تداعياته حتى اليوم.
بورغه برنده: وهل قد يجادل الأميركيون بأن ما تعلّموه من العراق هو ما يوجههم في فنزويلا ؟
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: أنا لا أتحدث نيابة عن الولايات المتحدة، لكننا في حوار مستمر معهم. وأعتقد أن الإدارة الأميركية تنخرط دائمًا بإيجابية عندما يتعلق الأمر بمحاولات إيجاد حل دبلوماسي. وأرى أن الرئيس ترامب رجل صفقات، وهو من ساعدنا في تجميع الاتفاق الكامل حول غزة وقيادتنا إلى خط النهاية في هذا المسار.
أما بخصوص الوضع في إيران، فهو ليس بالضرورة أمرًا معقدًا فقط، لكنه يتطلب، كما تعلم، نهجًا متعدد الأوجه لمعالجة القضايا، وخصوصًا القضية النووية، ثم مسألة الأمن الإقليمي. وهذه قضايا تحتاج إلى نقاش جاد داخل المنطقة نفسها.
بورغه برنده: كما تعلم، إيران أيضًا أصبحت أكثر ضعفًا مما كانت عليه في السابق من ناحية أنه عندما كان حزب الله أقوى في لبنان، وحماس في غزة، وكان الأسد يحكم دمشق، كان لديهم نفوذ أكبر. لكنهم لا يزالون يمتلكون نفوذًا في شكل مئات الآلاف من الصواريخ الباليستية. ما قرأته في الصحف على الأقل هو أن دول الخليج — السعودية والإمارات وقطر — كانت تجادل الأميركيين بعدم مهاجمة إيران بسبب الانتفاضات أيضًا والقتل الذي يحدث في الشوارع. هل هذا صحيح؟
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: لا، في الواقع لم نجادل الأميركيين في أي شيء من هذا القبيل. نحن نتفاعل مع الأميركيين ومع الإيرانيين، ولا نريد رؤية تصعيد عسكري في منطقتنا. ما نقدمه كشريك وحليف للولايات المتحدة هو نصيحة صادقة حول ما يحدث. ونصيحتنا الصادقة أن أفضل طريق للمضي قدمًا هو إيجاد حل دبلوماسي للقضية النووية. نحن لا نريد أن نصل إلى منطقة تشهد سباقًا نوويًا.
لقد رأينا كيف يهتز العالم الآن، وأعتقد أن هناك فرصة، وهذا هو الوقت المناسب لنا كمنطقة لنتكاتف ونتفهم هموم بعضنا البعض ومخاوفنا. ويجب أن نتأكد من أن كل دولة تشعر بالأمان والحماية، ويشمل ذلك الإيرانيين والفلسطينيين والإسرائيليين وكل شعوب المنطقة.
بورغه برنده: بالانتقال إلى موضوع آخر، لكن ضمن نفس المنطقة، سيكون لدينا الرئيس السوري في دافوس للمرة الأولى في التاريخ. هناك تطورات تحدث هناك، فلنرَ كيف تتكشف الأمور. أما بالنسبة لسوريا، أعتقد أن موقف قطر كان واضحًا، وهو أنها ترى هذا تقدّمًا. وأظن أن السعودية تشاطرها نفس الرأي. إذا نظرنا إلى وضع سوريا الحالي وآفاقها، كيف ترون الفرص أمام الرئيس لتوحيد الصفوف، والتعامل مع مختلف الأطراف، والدعم؟ أم أنكم قلقون من أن الأمور قد لا تنجح؟
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: أعتقد أن سوريا قد مرّت بالفعل بخمسة عشر عامًا عصيبة. وخمسة عشر عامًا من هذا الاضطراب والصراعات سيكون لها دائمًا تداعيات. ونعلم أن تولي شؤون بلد بعد حرب أهلية والبدء في إعادة بناء مؤسساته ودولته ونظمه ليس بالأمر السهل، بل هو مهمة صعبة. الحكومة السورية بحاجة إلى المساعدة، وقد طلبت هذا الدعم، ونحن جميعًا نسعى لمساعدتها على الوصول إلى هذه المرحلة.
ندرك أن الطريق مليء بالتحديات، لكن في نهاية المطاف، يكمن جمال سوريا في تنوعها وفي نسيجها الاجتماعي الذي استمر لقرون، وهو أمر ليس جديدًا. وأعتقد أن الجميع في سوريا يتطلعون إلى رؤية سوريا موحدة ومستقرة، وضمان المساواة وحماية الحقوق للجميع، وهذا حقهم. وأرى أن إسهامنا كمنطقة أو كمجتمع دولي يتمثل في مساعدتهم على بناء دولتهم، ومؤسساتهم، ونظام شامل يضم الجميع. لكن لا يمكن بناء دولة حقيقية من دون تأسيس منظومة مؤسسية راسخة تشمل كافة الأطراف.
بورغه برنده: وهل يتم ذلك الآن؟ هل ترون ملامح هذا البناء تتشكل؟
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: نلحظ بعض التقدم، لكن هناك العديد من التحديات على الطريق. ومن الضروري أن نتأكد من تقديم الدعم المناسب لهم في هذا المسار.
بورغه برنده: إذا انتقلنا شرقًا قليلًا، لدينا العراق، البلد الذي يمكنه إنتاج ملايين البراميل من النفط يوميًا. لماذا يظل فقيرًا إلى هذا الحد؟
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: بداية، العراق ليس بلداً فقيرًا. أعتقد أن العراق غني بالفعل، لكن، كما ذكرت، هذه نتيجة العمليات العسكرية السابقة، وهي التداعيات التي دفعتها المنطقة بأسرها. إذا نظرنا إلى التاريخ، هناك محطات فاصلة في منطقتنا أثرت علينا، فقد نشأ جيلنا على حرب العراق–إيران، ثم غزو العراق للكويت، ثم سلسلة من الأحداث الأخرى التي شهدتها منطقتنا. ونحن نرى أن الغزو العراقي للكويت كان لحظة مفصلية أساسية للمنطقة بأسرها، إذ وضعها على طريق الاضطراب الذي ما زلنا نحاول معالجته حتى اليوم.
وعلى الرغم من أن العراق يمتلك كل هذه الموارد وهو غني، إلا أن الصورة الخارجية تعكس للناس أنه بلد فقير، بسبب عدم استفادة جزء كبير من الشعب من ثروات البلاد، وهو ما نراه نتيجة للانقسامات والاستقطابات المجتمعية التي خلفتها الحرب. وهذا ما نأمل أن تتجنبه سوريا.
بورغه برنده: أما بالنسبة لسوريا، فلا تمتلك نفس الموارد الطبيعية من النفط والغاز كما في العراق، لكنك على صواب، فهناك الكثير من الإمكانيات. وبالطبع لا تزال هناك تحديات إنسانية في العراق، إضافة إلى وجود قدر كبير من الفساد.
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: نعم، الفساد للأسف وباء يأكل كثيرًا من مؤسسات الدولة.
بورغه برنده: واليمن، هل ترغب في التحدث عن هذا الموضوع؟
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: بالنسبة لليمن، فإن سياستنا كانت واضحة منذ البداية. نحن ندعم الشرعية هناك، وندعم حق الشعب اليمني في تقرير مستقبله بنفسه. وأعتقد أن ما تحقق قبل سنوات عديدة في إطار الحوار الوطني شكل نموذجًا إيجابيًا لليمنيين وحظي بقبول الجميع، إلا أنه للأسف لم يُنفَّذ، ما أدى إلى وضع ترى فيه بعض الأطراف أن الانفصال هو الحل، بينما لا يراه آخرون كذلك. وفي نهاية المطاف، يبقى القرار بيد الشعب اليمني وحده.
أما بالنسبة لسياسة دولة قطر، فنحن نواصل دعم الشرعية، ونتطلع إلى الحفاظ على وحدة اليمن، ونرغب في تنفيذ مخرجات الحوار الوطني التي وافق عليها جميع اليمنيين، لمعرفة ما إذا كانت ستلبي احتياجاتهم أم لا.
بورغه برنده: قطر قامت بالكثير في مجال السلام والمصالحة. هل تعتقد أن هناك طريقة لإدماج الحوثيين في اليمن ضمن خطة لمستقبل شامل ومستقر؟
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: وجهة نظرنا هي أنه لا يمكن استبعاد أي فئة من أي مجتمع. فالحوثيون وغيرهم جميعهم جزء من النسيج الاجتماعي اليمني، ويجب أن يجدوا حلولًا لكيفية التعايش المشترك. ولهذا أعود إلى مخرجات الحوار الوطني التي تناولت بالفعل معظم المخاوف لكل مجموعة في اليمن. أعتقد أن هذا أمر أساسي لاستقرار اليمن ومستقبله، ويمكن لكل طرف أن يلعب دورًا إيجابيًا. فاليمن المستقر يعني مجلس تعاون خليجي مستقر، وخليج مستقر، وشبه جزيرة عربية مستقرة، وهذا بدوره يعني منطقة مستقرة. وأكرر دائمًا أهمية أن تأتي هذه اللحظة لنا جميعًا لنتكاتف ونتحدث بصراحة وشفافية حول مخاوفنا الأمنية، ونسعى لوضع منظومة أمنية تحمي الجميع وتضمن لهم الشعور بالأمان.
بورغه برنده: بدأنا النقاش، معالي رئيس الوزراء، بالجغرافيا السياسية، وهي تبدو الآن أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في دافوس العام الماضي. ربما لم نتخيل أن هذا ممكن، لكن هذا هو الواقع. وما يثير الدهشة أيضًا هو أن صندوق النقد الدولي أعلن بالأمس أو أول أمس أرقام النمو، حيث يُتوقع أن يصل النمو الاقتصادي هذا العام إلى 3.3٪. الاقتصاد يظهر مرونة كبيرة جدًا، والتجارة تنمو. وما يغذي هذا النمو أيضًا هو الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي. كيف تفسر هذا؟ لماذا يظهر الاقتصاد العالمي بهذه المرونة وقد تكيف بالفعل مع الواقع الجديد للجغرافيا السياسية؟ هل يمكن القول إنه مثل الماء، يجد طريقه؟
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: في النهاية الاقتصاد يتكيف، لكن المسألة الآن لا تتعلق بالتكيف، بل تتعلق بتأثيرات الاضطراب الجيوسياسي التي لم تظهر بعد في الأرقام الاقتصادية التي نراها حتى الآن. وأعتقد أن أي تعقيد جيوسياسي عالمي نراه اليوم ستظهر آثاره وتداعياته لاحقًا، ربما بعد عام أو عامين. نعم، هناك نمو كبير يحدث في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يدفع هذا النمو العالمي، لكن إذا نظرنا عبر القطاعات المختلفة، سنجد أن بعض المجالات تتأثر بسبب هذا الوضع الجيوسياسي.
بورغه برنده: وبالنسبة لقطر، نعرفك جيدًا كوزير للخارجية، وقد مررت بمراحل مختلفة في هذا المنصب، ولم يكن بالأمر السهل، لكنك أديت عملك بشكل متميز حتى قرر سمو الأمير تعيينك رئيسًا للوزراء. الآن أنت أيضًا مسؤول عن الاقتصاد. وعندما نزور الدوحة وقطر، نرى الكثير من التطور والاستثمارات. كيف ترسمون مساركم الآن؟ فالإمارات لها مسارها، والسعودية لها مسارها. أين ترى قطر تميّز نفسها؟ ومن أين سنشهد النمو الاقتصادي في السنوات القادمة؟ كنت في اجتماع اليوم حيث قال وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، إن 56٪ من اقتصادهم الآن لا يعتمد على النفط، وقد تحقق ذلك خلال عقد تحت قيادة ولي العهد.
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: في الواقع، إذا نظرنا إلى اقتصاد قطر، نرى نموًا سريعًا سنويًا. هذا العام سجلنا نموًا يقارب 2.9٪، ونتوقع أن يتسارع هذا النمو مع توسع صادرات الغاز الطبيعي المسال، مما يجعل مهمة التنويع لدينا أكثر تحديًا نظرًا لزيادة إنتاج الغاز.
بورغه برنده: لكنه لا يزال أمرًا جيدًا، وأيضًا للعالم.
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: نعم، إنه كذلك. في الواقع، أرى أن هذا أمر استثنائي. وأعتقد أنه إذا نظرنا إلى قطر، فإنها تتمتع بموقع فريد فيما يتعلق بالطاقة وإمدادات الغاز الطبيعي المسال، الذي سيظل يشكل أساسًا للطاقة المطلوبة لتشغيل الثورة التي نشهدها في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، سواء لتشغيل مراكز البيانات أو توفير القدرة الحاسوبية اللازمة. قطر إذن في مركز هذا التقدم والتطور.
ثانيًا، أجندة التنويع لدينا تسير في الاتجاه الصحيح. فالناتج المحلي غير النفطي يمثل الآن أكثر من 60٪، ونسعى لتطويره بشكل أكبر. ونرى أرقام الاستثمار الأجنبي المباشر تتزايد بشكل ملحوظ، ونرى معدل التضخم أقل من 1٪ وقد تم التحكم فيه رغم النمو المستمر. نحن نؤمن أن الطاقة هي صلب قوتنا وركيزة قدرتنا، وأن التنويع هو مصدر مرونتنا، وأن التكنولوجيا هي المستقبل. وبدمج كل هذه العناصر معًا، أعتقد أن قطر تسير على طريق واعد جدًا.
وأرى أنه في السنوات القليلة المقبلة، سنرى قطر وقد رسخت بالفعل مكانتها في تأسيس شركات متعددة الجنسيات وعلامات تجارية عالمية مثل الخطوط الجوية القطرية والبنك الوطني القطري وغيرها، إذ تمتلك قطر نحو 44 علامة تجارية عالمية استثمرت فيها قطر وأسستها. وما نسعى إليه هو تعزيز أبطالنا الوطنيين وتوسيع هذا العدد، ونأمل هذا العام أن نعلن عن بعض المنصات الجديدة التي تشجع هؤلاء الأبطال الوطنيين على أن يصبحوا لاعبين عالميين أكثر.
بورغه برنده: هذا حقًا مثير للإعجاب. كنت أحب أن نستمر في الحوار، لكن الوقت محدود. دائمًا من دواعي سروري، معالي الشيخ محمد، رئيس وزراء قطر، أن نستضيفك في دافوس وأن نستمع إلى رؤاك. شكرًا جزيلاً لك.
الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني: شكرًا لكم.
